نبيه البرجي
رأي لعالم السياسة البريطاني هارولد لاسكي (1893 ـ 1950 ) : “الصراع، كأي ظاهرة بشرية، أو تاريخية، أخرى، لا بد أن يؤول الى التحلل الذاتي . هكذا لاحظ السعوديون والايرانيون أن صراعهم، أكان الصراع الايديولوجي أم الاستراتيجي، انما يدور في حلقة مقفلة.
الديبلوماسي الصيني المحنك وانغ يي التقط اللحظة الذهبية، وأحالها الى شي جين بينغ الذي قاد محادثات الساعات المئة، وقد انتهت بما يشبه الولادة الأخرى للشرق الأوسط …
قبل أسابيع قليلة، لا أحد كان يتوقع أن يوجه الملك سلمان بن عبد العزيز دعوة (أخوية) الى الرئيس ابراهيم رئيسي لزيارة الرياض (وتقبل في الحال)، في حين كانت الطائرات الحربية الاماراتية تواكب طائرة الرئيس بشار الأسد، وزوجته، قبل أن تحط في مطار أبو ظبي .
في مكان آخر من المشهد، كان مولود جاويش أوغلو في القاهرة يعدّ للقاء بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي ورجب طيب اردوغان، ليؤكد لنا ديبلوماسي مصري أن الوضع في الشمال السوري سيكون بين أولويات البحث بين الرجلين.
لنتذكر قول الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري “بعض الصراعات تبدو كما رقصة التانغو بين الهياكل العظمية. ” ألسنا الهياكل العظمية الآن ؟ لنتفاءل ونقول انها العودة، ولو كانت العودة المتأخرة، الى المستقبل!
هذا العام عام تتويج الأمير محمد بن سلمان ملكاً . المشكلة اليمنية أثقلت كاهله . صحيفة “الاندبندت” الأنكليزية تحدثت عن “الخطيئة القاتلة”، لا عن “الخطأ القاتل” في عملية “عاصفة الحزم. “كان يفترض بالسعوديين أن يتركوا آيات الله يضيعون في التضاريس اليمنية مثلما ضاع قادة كسرى أنو شروان في نهايات القرن السادس وبدايات القرن السابع …
هذا زمن المصالح الصارخة، لا زمن الايديولوجيات الصارخة. الايرانيون متعبون بعد أربعة عقود من التعبئة الثورية، وقد ترافقت مع الحصار، كما مع العقوبات التي قال لنا اعلامي ايراني انها “أنهكت حتى الحياة”.
هؤلاء الناس يستحقون الحياة. الصراعات الاقليمية لا تخدم سوى القوى العظمى . تحديداً أميركا التي تختزل المسار الأمبراطوري للقارة العجوز، وحيث تقطيع الخرائط وتقطيع الدول، كما تقطيع المجتمعات، بالسكين. فرنسيس فورد كوبولا، مخرج “الرؤيا الآن”، تساءل “لماذا تريدون منا أن نكون ورثة الشيطان”؟
ثمة من ينشط في الزوايا، وحتى في ثقوب الفئران، للتشويش على الاتفاق. الاستثمار في الاختلاف، بالنسبة لهؤلاء، أفضل من الاستثمار في الاتفاق. مؤشرات عدة، وتنطلق من كلام وزير المالية السعودي محمد الجدعان، على أن التعاون بين ضفتي الخليج، وبخاصة في مجال الاستثمارات، سيشهد تطورأ بالغ الأهمية
هنا الاقتصاد من يجر السياسة. ولا بد أن تكون لذلك تداعيات على سائر أنحاء المنطقة التي سبق لهنري كيسنجر، ووصفها بـ”حلبة الصراع بين نصف الله والنصف الآخر”، أي أن مستقبلها في العالم الآخر لا في هذا العالم …
ما حدث في بكين أثار هلع برنار ـ هنري ليفي على اسرائيل التي قد تصبح دولة معزولة، بعدما كان يرى فيها “دولة ما فوق العالم”. ولكن متى لم يقاتل القادة الاسرائيليون لتكريس ثقافة الغيتو؟ شلومو صاند، المؤرخ الفذ، لاحظ أن “المشكلة هنا، في رؤوسكم العفنة لا في أي مكان آخر …”
لا يتصور أن ثلة الذئاب التي تحكم اسرائيل تستطيع احتواء التصدعات البنيوية التي تضرب الدولة العبرية، وتهدد بما هو أبعد بكثير …
حقبة جديدة في منطقتنا ؟ اللافت ما تناهى الينا من استاذ جامعي تركي على احدى الشاشات “هل أحدث الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا هزات ارتدادية في الوعي الجيوسياسي، والجيوستراتيجي، لقادة المنطقة” ؟
من وحي “المعجزة الديبلوماسية” الصينية قول لكونفوشيوس “الحياة بحاجة الينا …” !!
Discussion about this post