شبكة أخبار سوريا والعالم/ worldnews-sy.net
في 7 كانون الأول 2024، انتهى حكم بشار الأسد كما لم يتوقعه أحد. لم يسقط مقاتلاً، ولم يُسحل في الشوارع. اختفى ببساطة. طائرة روسية أقلعته نحو المجهول، تاركاً خلفه دولة منهارة وحاشية أذهلها الجحود. مجلة “ذي أتلانتيك” ترسم، عبر شهادات نادرة من رجال القصر السابقين، صورة مركبة لرجل مهووس بألعاب الفيديو والنساء، عاش في خيال ملكي حتى اللحظة الأخيرة.
السبت، 7 كانون الأول 2024. الساعة الثانية فجراً. دمشق صامتة، باستثناء همهمة خفيفة أمام منزل الرئيس في حي المالكي.
بشار الأسد يخرج من الباب الأمامي. لا خطاب أخير للشعب. لا وداع. فقط نظرة سريعة نحو سائقه الذي رافقه لسنوات، وسؤال جاء متأخراً جداً: “وماذا عنكم أنتم؟ ألن تقاتلوا؟”
السائق، رجل في أواسط العمر، وقف عند باب السيارة. لم يقل كثيراً. لكن عينيه كانت كافية: “أستتركنا حقاً؟”
لم يُجب الأسد. استدار نحو الروس الذين كانوا بانتظاره. ابتلعه الظلام.
الطاغية الذي لم يصدق أحداً
بعض الطغاة يسقطون وهم يقاتلون. بعضهم يُسحل في الشوارع. وبعضهم يموت على فراشه.
أما بشار الأسد، الذي أشرف على ربع قرن من القمع والتعذيب، فقد أضاف فصلاً جديداً في سجل الاستبداد: الهروب تحت جنح الظلام، بعد ساعات فقط من طمأنته معاونيه بأن النصر قادم.
الأكثر إيلاماً لمن بقوا؟ أنه لم يخبر أحداً.
في الليلة نفسها، كان بيان رسمي يؤكد أن الرئيس لا يزال في القصر يمارس “مهامه الدستورية”. وفي الوقت نفسه، كان الأسد في الجو، متجهاً إلى موسكو.
يقول إبراهيم حميدي، صحفي ومحرر سوري: “حتى الآن، تجد من يصدق القذافي أو صدام. لكن لم أجد أحداً يصدق بشار الأسد. حتى شقيقه لم يعد يصدقه”.
“فيل ميت في الغرفة”
لم يكن السقوط وليد لحظة. صحيح أن انسحاب الروس والإيرانيين عرّى هشاشة النظام، لكن الذين عايشوا الأسد عن قرب يروون قصة مختلفة. قصة رجل منعزل، مهووس بألعاب الفيديو على هاتفه، يمضي ساعات يلعب Candy Crush بينما ينهار بلده. رجل أحاط نفسه بدائرة مصغرة من المتملقين، وهمّش كل من كان بإمكانه إنقاذه.
خالد الأحمد، أحد المستشارين السابقين في القصر، يصفه بمرارة: “صار كفيل ميت في الغرفة. واقع فج يتحاشى الجميع الحديث عنه”.
كان بوسع الأسد إنقاذ نفسه. دول الخليج مدّت له يدها أكثر من مرة. الإمارات فتحت سفارتها في 2018، وعرضت عليه شرطاً واحداً: ابتعد عن إيران. حتى واشنطن، في عهد ترامب وبايدن، كانت مستعدة للتفاوض. العرض الأميركي كان واضحاً: نرفع العقوبات ونسحب جنودنا، فقط أخبرنا مصير الصحافي أوستن تايس.
رفض الأسد. كل ذلك لأن ترامب وصفه بـ”الحيوان” قبل سنوات.
يقول عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني السابق الذي توسط في المفاوضات: “كانت فرصة ذهبية. بومبيو كان مستعداً للسفر بطائرة خاصة ومصافحة أي شخص. لكن الأسد أضاعها. تكبراً؟ غباء؟ لا أدري”.
“نشوة النصر” والوهم الإيراني
ربما كان أكثر ما أفقد الأسد صوابه هو “النصر” الوهمي الذي حققه في 2017-2018. بفضل الطائرات الروسية والميليشيات الإيرانية، استعاد المدن الكبرى. لكنه نسي أن النصر كان أجوف.
البلد كان ركاماً. الاقتصاد عند الصفر. العقوبات تخنق الناس. الجيش يتقاضى رواتب لا تتجاوز عشرة دولارات شهرياً. حتى ضباط الحرس الجمهوري، المكلفون بحماية العائلة، كانوا يقضون أوقات فراغهم يبيعون الفواكه والسجائر في الشوارع.
ومع ذلك، كان الأسد يعيش في عالم آخر.
يقول مسؤول سابق في حزب الله أمضى سنوات في سوريا: “كان بشار يقول لنفسه: الإيرانيون بحاجتي، والروس لا خيار أمامهم، فأنا الملك”. وعندما نصحه الإيرانيون والروس بإصلاحات رمزية لكسب شرعية دولية، كان يماطل ويكذب. محمد جواد ظريفي، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، قال عنه في مقابلة: “كان سكراناً بنشوة النصر. لم يعد يسمع أحداً”.
الجنس، الكبتاغون، ولونة الشبل
في القصر، كان للأسد عالمه الخاص. عالم من العزلة الباذخة، حيث تختلط ممارسة السلطة بممارسة الجنس. لونة الشبل، الصحفية السابقة في الجزائر، لم تكن فقط عشيقته. كانت “جيستر” القصر، من تأتي له بالنساء، حتى من زوجات ضباطه.
في تسريب صادم نشر في كانون الأول الماضي، نسمع الأسد والشبل وهما يضحكان مستخفين بالسوريين. أثناء مروره بالسيارة في ريف دمشق، يقول عن الناس الذين يراهم في الشارع: “إنهم يصرفون المال على الجوامع، وليس لديهم ما يكفيهم ليأكلوا”.
هذا من رجل حوّل سوريا إلى أكبر دولة مخدرات في المنطقة. الكبتاغون، الذي أشرف شقيقه ماهر على تصنيعه وتهريبه، درّ على العائلة مليارات الدولارات، وأغرق الأردن والخليج بأزمة إدمان. ثم ماتت الشبل في ظروف غامضة صيف 2024. رسمياً: حادث سير. غير رسمي: مصادر استخبارية تقول إن الأسد أمر بقتلها لأنها صارت تعمل لصالح الروس. الحقيقة قد لا نعرفها أبداً.
“أدوات النظام الملكي”
في سنواته الأخيرة، أصيب الأسد بهوس غريب: أراد أن يصبح ملكاً. ليس رئيساً بالمعنى الديمقراطي المحدود الصلاحيات، بل مالكاً للدولة. في مقابلة مع صحفي روسي قبل سقوطه بشهور، قال وهو يبتسم باحتقار: “الرؤساء في الغرب مجرد مدراء تنفيذيين. ليسوا ملاكاً”.
كان يظن أن بوتين وحكام الخليج أقوياء لأنهم يمتلكون ما أسماه “أدوات النظام الملكي”: احتياطي نقدي ضخم يسمح لهم بشراء الولاءات ودعم الميليشيات. لم يفهم أن القوة الحقيقية تصنعها المؤسسات، لا المال وحده.
لجأ إلى “أدواته الملكية” في أيامه الأخيرة. أعلن عن رواتب ضخمة للمتطوعين القادرين على إعادة تشكيل ميليشيات الدفاع. لكن الجنود العاديين، الذين أمضوا سنين بلا رواتب، استشاطوا غضباً. كان القرار بمثابة اعتراف رسمي بأنهم كانوا طوال الوقت مجرد وقود حرب يُستهلك ثم يُنسى.
خيانة أخيرة: “أستتركنا حقاً؟”
في 7 كانون الأول، عندما كان الثوار على أبواب دمشق، عقد وزراء خارجية روسيا وسبع دول عربية اجتماعاً طارئاً في الدوحة. الكل أراد إنقاذ الأسد. الكل كان بحاجة لموافقته على انتقال سياسي منظم.
لكن أحداً لم يستطع الوصول إليه. هاتفه مغلق. لقد اختفى.
عند السادسة مساءً، عاد إلى بيته في المالكي. بدا هادئاً. طمأن ابن عمه إيهاب مخلوف: لا قلق، الإماراتيون والسعوديون سينقذون الموقف. بعد ساعات، قُتل مخلوف برصاصة أثناء محاولته الفرار إلى لبنان.
عند الثامنة: سقطت حمص. عند الحادية عشرة: وصل منصور عزام، أحد كبار معاونيه، مع مجموعة من المسؤولين الروس. دخلوا في غرفة مغلقة. يعتقد أحد الحاضرين أن الروس أرغموه على مشاهدة فيديوهات تثبت انهيار جيشه.
عند الواحدة صباحاً: فرّ مؤيدو النظام من العاصمة إلى الساحل.
عند الثانية: خرج الأسد. طلب تجهيز سيارات صغيرة. حزم بعض متعلقاته بسرعة. أخبر مرافقيه أن الروس بانتظاره.
حتى تلك اللحظة، ظن كثيرون في حاشيته أنه متوجه إلى القصر لإلقاء خطاب. كانوا لا يزالون يصدقون أنه مقاتل.
عند الباب، وقف سائقه. الرجل الذي قضى سنوات يقود سيارة الرئيس. نظر إليه نظرة خيبة لا تُنسى. ثم سأل السؤال الذي سيبقى عالقاً في ذاكرة كل من سمع به: “أستتركنا حقاً؟”
فنظر الأسد إليه. لم يعتذر. لم يفسر. بل رمى المسؤولية على من بقوا: “وماذا عنكم أنتم؟ ألن تقاتلوا؟”
ثم استدار نحو الطائرة الروسية. انتهى الحلم الدموي الذي دام 25 عاماً، ليس بموقف بطولي، بل بجملة هي أقرب إلى التبرير منها إلى الوداع.
درس أخير
عندما يسقط الطغاة، نحاول أن نتصور لحظة جلاء يدركون فيها حقيقة ما فعلوه. مشهد تراجيدي، كأوديب يفقأ عينيه، أو ماكبث يهيم في البراري.
لكن الأسد لم يكن أوديب. ولا ماكبث.
كان مجرد رجل لم يتعلم أبداً أن السلطة مسؤولية، لا متاعاً. أن الدولة تُبنى بالقدوة، لا بالخوف وحده. وأن الذين يظنون أنهم يستطيعون امتلاك بلد، ينتهي بهم الأمر إلى فقدان كل شيء.
حتى اسمهم. حتى كرامتهم الوهمية.
الدرس الذي تركه بشار الأسد لسوريا والمنطقة قديم قدم التاريخ، لكنه يظل صادقاً: مهما طال ليل الاستبداد، الفجر قادم. ومهما علا صوت القمع، صرخة الحرية لا تُكتم.
وفي النهاية، لا يبقى من الطغاة إلا جبنهم. وسؤال واحد عالق في الهواء:
“أستتركنا حقاً؟”
تلفزيون سوريا












Discussion about this post