شبكة أخبار سوريا والعالم/ worldnews-sy.net
دمشق – جاك وهبه
في غضون ثمانٍ وأربعين ساعة فقط، تحوّل قرار حكومي مصيري من واقع مفروض إلى ورقة مطوية، ففي الخامس من كانون الثاني 2026، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة قرارا يقضي برفع رؤوس أموال الشركات بكافة أنواعها،مترافقًا مع رفع بعض رسوم الخدمات، قبل أن تعود بعد يومين وتسحبه وكأنه لم يُصدر أصلًا.

هذا التناقض السريع لا يمكن التعامل معه كإجراء إداري عابر، ولا يعبّر عن مرونة في الإدارة، بل يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات مقلقة حول آلية اتخاذ القرار، ومستوى الجدية في إدارة الملف الاقتصادي، ومن يدفع ثمن القرارات المرتجلة حين تتحول الدولة إلى مختبر تجارب.
ما بين القرار ونقيضه، تقف علامات استفهام ثقيلة لا يمكن تجاوزها ببيان مقتضب أو صمت رسمي، فليس السؤال هنا عن مضمون القرار فحسب، بل عن آلية اتخاذه: كيف يصدر قرار يمسّ صلب الحياة الاقتصادية، ويطال آلاف الشركات والمستثمرين والعمال، دون أن تسبقه دراسة معلنة؟ أين اللجان المختصة؟ أين غرف التجارة والصناعة؟ وأين النقاش مع أصحاب المصلحة الذين يفترض أنهم شركاء في بناء الاقتصاد، لا متلقّون للصدمات الإدارية؟
إن رفع رؤوس أموال الشركات ليس إجراء شكليا أو إداريا بسيطا، بل قرار له تبعات مالية وقانونية واقتصادية عميقة، فبعض الشركات قد لا تملك القدرة على الامتثال الفوري، وبعضها قد يضطر إلى الإغلاق أو تقليص نشاطه، فيما قد يستفيد آخرون بطرق غير عادلة. فهل أُخذ كل ذلك بالحسبان؟ أم أن القرار وُلد على عجل، ثم أُعدم على عجل أكبر؟
الأخطر من التراجع نفسه، هو ما يكشفه هذا التراجع من ارتباك في صنع القرار، فالجهة التي تصدر قرارا ثم تسحبه بعد يومين، ترسل رسالة سلبية إلى السوق: لا استقرار تشريعي، ولا وضوح في الرؤية، ولا ضمانة بأن القرارات مدروسة أو قابلة للاستمرار، وكيف يمكن لمستثمر محلي أو أجنبي أن يثق ببيئة اقتصادية تُدار بهذا القدر من التناقض؟
ثم يبرز السؤال الجوهري: من يتحمّل المسؤولية؟
لو لم يُطوَ القرار، وتم تطبيقه، وتسبّب بخسائر فادحة أو نزاعات قانونية، من كان سيُحاسَب؟ هل تتحمّلها الشركات وحدها؟ أم أن هناك آلية حقيقية لمساءلة من يصدر قرارات خاطئة أو متسرعة؟
إن التراجع عن الخطأ خطوة مطلوبة، لكن الأهم هو منع الخطأ قبل وقوعه، والمطلوب اليوم ليس تبرير ما حصل، بل فتح نقاش جدي حول طريقة صنع السياسات الاقتصادية، وإشراك الخبراء والهيئات المعنية، واعتماد الشفافية والتدرج والتقييم المسبق للأثر.
فالاقتصاد لا يُدار بردّات الفعل، ولا بالقرارات الفجائية، ولا بتجريب الحظ على حساب الناس، وما جرى بين الخامس والسابع من كانون الثاني ليس تفصيلاً عابراً، بل إنذار واضح بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من غرفة القرار نفسها.












Discussion about this post