شبكة أخبار سوريا والعالم/ worldnews-sy.net
في أكتوبر/تشرين الأول 2022، قال الرئيس الأميركي السابق جو بايدن: «لم نواجه احتمال وقوع كارثة هائلة من هذا النوع منذ عهد كينيدي وأزمة الصواريخ الكوبية. إنه (بوتين) لا يمزح عندما يتحدث عن الاستخدام المحتمل للأسلحة النووية أو الأسلحة البيولوجية أو الكيميائية، لأن أداء جيشه ضعيف للغاية». جملة تعكس مخاوف غربية من أن تكون التهديدات النووية جزءًا من أدوات الضغط الروسية خلال الصراع مع أوكرانيا.
لكن القصة أوسع من ساحة المعركة الأوكرانية؛ فالسلاح النووي شكل تاريخياً ورقة تفاوض أساسية في الاستراتيجية الروسية. لفهم هذا الموقف، يكفي الاطلاع على وثيقة روسية رسمية من يونيو/حزيران 2020 تتبنى سياسة الردع النووي وتحدد شروطاً لاستخدام الأسلحة النووية، بما في ذلك الرد على استخدام أسلحة دمار شامل ضد روسيا أو حلفائها، أو على هجوم يهدد قدرتها على الرد النووي، أو تهديد وجود الدولة نفسها. ورغم أن هذه الحدود تبدو مقيدة، فإن صياغتها تسمح بتأويلات مرنة يمكن أن تُستغل بحسب مجريات الميدان.
يحاجج كثير من المحللين الأميركيين والأوروبيين أن موسكو — مثل الاتحاد السوفياتي سابقاً — دمجت السلاح النووي في تدريباتها الحربية، ما قد يشير إلى استعداد أكبر للاعتماد على هذه الإمكانية في أوقات الضعف أو الخطر الاستراتيجي. وعامل آخر يضاعف من قلق المراقبين هو وتيرة التحديث السريعة لترسانة موسكو.
منذ بداية التجارب النووية السوفييتية في 1949 وحتى ذروة المخزون في ثمانينيات القرن الماضي، مرّت الترسانة بمراحل من التكديس ثم التقليص، لكن مع تركيز متزامن على تحديث القدرات. اليوم، يبرز ما يُعرف بالثالوث النووي الروسي: صواريخ باليستية عابرة للقارات (ICBMs)، وصواريخ باليستية تطلق من الغواصات (SLBMs)، وقاذفات إستراتيجية. ومن أمثلة التحديث صواريخ «يارس» متعددة الرؤوس التي صُممت للتحرك والاختفاء، وطورت قدرات اختراق الدفاعات المضادة، إضافة إلى منظومات بحرية واستراتيجية جديدة مثل «بوسايدون» الطوربيد النووي البحري ونماذج محدثة من قاذفات «توبوليف تي يو-160».
الطموح الروسي لا يقتصر على الأسلحة الإستراتيجية فحسب، بل يشمل أيضاً تطوير أسلحة نووية تكتيكية مصممة للاستخدام في ساحات قريبة من القوات الصديقة أو على أراض متنازع عليها، مما يوسع مساحة الاستخدام المحتمل ويزيد من درجة التعقيد في التقدير الاستراتيجي.
أما من حيث الأرقام التقريبية للمخزون فلا تزال تقديرات متباينة، لكن الحديث عن ما يقترب من بضعة آلاف من الرؤوس الحربية (بين استراتيجي وغير استراتيجي واحتياطي قيد التفكيك) يعزز حالة عدم اليقين بشأن النوايا والقدرات.
الخلاصة: برامج التحديث، وزيادة حجم ونوعية التدريبات، وصياغات عقائدية مرنة حول استخدام السلاح النووي، كلها عناصر تزيد من حالة الغموض التي تفضلها روسيا في سياسة الردع. مع ذلك، يرى العديد من المحللين أن روسيا ليست في وضع يدفعها اليوم إلى استخدام فعلي للأسلحة النووية، لغياب تهديد وجودي مباشر لجيشها في النزاعات الحالية. على النقيض، تبقى حالة “عدم اليقين” نفسها سلاحًا استراتيجياً لدى موسكو، تُستخدم لثني الخصوم ولبناء مساحات حماية سياسية وعسكرية حول مصالحها.
الجزيرة












Discussion about this post