اخبار سوريا والعالم/ worldnews-sy.net
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال في تحقيق موسع وصادم عن ارتكاب النظام السوري مجازر جماعية جديدة داخل سجن صيدنايا العسكري سيئ السمعة، وذلك قبل أشهر قليلة من انهياره في نهاية عام 2024.
التحقيق الذي وصفه خبراء بواحد من أبشع الجرائم المنهجية التي ارتكبتها دولة في القرن الحادي والعشرين، استند إلى شهادات 21 معتقلاً سابقًا، ووثائق رسمية، بالإضافة إلى زيارات ميدانية قام بها مراسلو الصحيفة لموقع السجن.
ووفقاً للمعلومات التي تضمنها التحقيق، نفذت قوات النظام عمليات إعدام جماعي شنقًا وتعذيبًا حتى الموت، قبل أن تُدفن الجثث في مقابر جماعية دون أي توثيق رسمي.
كل ذلك كان يجري بالتوازي مع خطوات سياسية تهدف إلى إنهاء عزلة النظام الدولية، وفتح باب التطبيع مع عدد من الدول العربية.
صيدنايا.. “مصنع الموت” تحت سيطرة الدولة
سجن صيدنايا، الذي لطالما وُصف بـ”المسلخ البشري”، عاد إلى الواجهة مجددًا بعدما تمكّن مقاتلو المعارضة من اقتحامه عقب انهيار النظام في ديسمبر 2024، وإطلاق من تبقّى من المعتقلين الأحياء.
وأظهرت المشاهد الأولى من داخل السجن مستوى الرعب والانتهاكات التي ارتكبت هناك لعقود، في ظل صمت دولي مريب.
في تصريحات للمعتقل السابق عبد المنعم القائد، أحد المنضمين السابقين إلى صفوف المعارضة، قال إن سلطات السجن نفذت في آذار/مارس 2023 فقط إعدامات بحق 600 معتقل خلال ثلاثة أيام. وأضاف: “كانوا يقتلون نحو 200 شخص يوميًا، دون محاكمات أو تهم واضحة”.
البيروقراطية في خدمة القتل
التحقيق كشف أن عمليات الإعدام لم تكن فوضوية، بل جرى تنظيمها بأسلوب بيروقراطي صارم، حيث احتفظ النظام بسجلات مفصلة عن المعتقلين وملفات محاكماتهم وحتى شهادات وفاتهم.
وأشار ستيفن راب، السفير الأميركي السابق لقضايا جرائم الحرب، إلى أن ما حدث في صيدنايا يُعد “من أسوأ الجرائم التي ارتكبتها دولة في القرن الحالي”، مشبّهًا إياه بما فعله النازيون أو ستالين خلال حكم الاتحاد السوفييتي.
مجازر تحت غطاء “الإصلاحات”
في أواخر عام 2023، أعلن الأسد عن “إصلاحات” شملت إلغاء محكمة الميدان العسكرية وتخفيف بعض أحكام الإعدام. لكن معتقلين سابقين وخبراء يرون أن هذه الإجراءات جاءت بعد تنفيذ ما وصفوه بـ”الدفعة الأخيرة من القتل الجماعي” لتصفية أكبر عدد ممكن من المعتقلين قبل ظهور أي ضغوط دولية أو محلية.
شهادات مرعبة عن الجحيم في صيدنايا
كثير من الناجين الذين قابلتهم الصحيفة كانوا جنودًا منشقين أو مدنيين اعتقلوا لأسباب واهية، مثل التواصل مع معارضين على وسائل التواصل الاجتماعي.
من بين الشهادات المؤلمة ما رواه المعتقل السابق علي أحمد الزوارة، الذي اعتقل عام 2020 لتخلفه عن الخدمة العسكرية، واصفًا صيدنايا بأنه “مجزرة مستمرة، وكل من دخل لم يخرج”.
التحقيق وثّق أيضًا تعرض المعتقلين لتعذيب مروع: تجويع، ضرب بأنابيب معدنية، تعليق من الأطراف، ومنع كامل من النظر إلى الحراس.
بعضهم مات بسبب الإهمال الطبي أو الأمراض أو العطش، وكل ذلك في ظل تجاهل المجتمع الدولي لتحذيرات منظمات حقوق الإنسان.
“الله يرحمه.. إذا كان ميتًا”
دينا الكش، زوجة المعتقل عمار درعة الذي اختفى قسريًا عام 2013، أكدت أن عائلتها علمت مؤخراً من وثائق مسربة أن زوجها نُقل إلى صيدنايا، لكنها لا تزال تجهل مصيره أو مكان دفنه.
وتقول بأسى: “نقول الله يرحمه، لكننا لا نعرف إن كان ميتًا أم لا”.
من ساحة الاحتجاج إلى ساحة الإعدام
يسرد التحقيق قصة محمد عبد الرحمن إبراهيم، شاب درس الرياضيات وانضم للثورة بعد انشقاقه عن جيش النظام. اعتقل لاحقًا رغم عفوٍ مزعوم، وتعرض لتعذيب شديد أُجبر خلاله على التوقيع على اعترافات لم يقرأها.
نُقل بعدها إلى صيدنايا، حيث عاش معاناة لا توصف: عارياً في زنزانة تغمرها مياه الصرف الصحي، محاطًا بالموت من كل جانب.
“السجن العسكري الأول”.. وصمة عار
أُنشئ سجن صيدنايا في ثمانينيات القرن الماضي في عهد حافظ الأسد، لكنه تحوّل في عهد بشار إلى رمز للقتل والتعذيب الممنهج.
اسمه أصبح مرادفًا للاختفاء القسري، وعنوانًا لرعب عشرات الآلاف من العائلات السورية.
وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن نحو 160 ألف سوري اختفوا قسرًا خلال السنوات الماضية، ما تزال غالبيتهم مجهولي المصير.
تلفزيون سوريا












Discussion about this post